أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

185

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

لأنّ أصله « يبدأ » بالهمزة فكذلك هذه الآية أبدلت الهمزة ياء ثم حذفت حملا للأمر على المجزوم . وقرئ « أنبيهم » بإثبات الياء نظرا إلى الهمزة وهل تضمّ الهاء نظرا للأصل أم تكسر نظرا للصورة ؟ وجهان منقولان عن حمزة عند الوقف عليه . و « بأسمائهم » متعلّق بأنبئهم ، وهو المفعول الثاني كما تقدّم ، وقد يتعدّى ب « عن » نحو : أنبأته عن حاله ، وأمّا تعديته ب « مَنْ » في قوله تعالى : قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ « 1 » فسيأتي في موضعه إن شاء اللّه تعالى . قوله : قالَ : أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ الآية . « قال » جواب « فلمّا » والهمزة للتقرير إذا دخلت على نفي قرّرته فيصير إثباتا نحو : « أَ لَمْ نَشْرَحْ » أي : قد شرحنا و « لم » حرف جزم وقد تقدّم أحكامها ، و « أقل » مجزوم بها حذفت عينه وهي الواو لالتقاء الساكنين . و « لكم » متعلق به ، واللام للتبليغ : والجملة من قوله « إني أعلم » في محلّ نصب بالقول . وقد تقدّم نظائر هذا التركيب فلا حاجة إلى إعادته . قوله : وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ كقوله : أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ من كون « أعلم » فعلا مضارعا أو أفعل بمعنى فاعل أو أفعل تفضيل ، وكون « ما » في محل نصب أو جر وقد تقدّم . والظاهر : أن جملة قوله : « وأعلم » معطوفة على قوله : « إني أعلم غيب » ، فتكون في محلّ نصب بالقول ، وقال أبو البقاء : « إنه مستأنف وليس محكيّا بالقول » ، ثم جوّز فيه ذلك . و « تبدون » وزنه : تفعون لأن أصله تبدوون مثل تخرجون ، فأعلّ بحذف الواو بعد سكونها . والإبداء : الإظهار . والكتم : الإخفاء ، يقال : بدا يبدو بداء ، قال : 358 - . . . * بدا لك في تلك القلوص بداء « 2 » قوله : « وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ » : « ما » عطف على « ما » الأولى بحسب ما تكون عليه من الإعراب . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 34 إلى 35 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ : العامل في « إذ » محذوف دلّ عليه قوله : « فسجدوا » تقديره : أطاعوا وانقادوا فسجدوا ، لأنّ السجود ناشئ عن الانقياد ، وقيل : العامل « اذكر » مقدرة ، وقيل : [ إذ ] زائدة ، وقد تقدّم ضعف هذين القولين . وقال ابن عطية : « وإذ قلنا معطوف على « إذ » المتقدمة » ولا يصحّ هذا لاختلاف الوقتين ، وقيل : « إذ » بدل من « إذ » الأولى ، ولا يصحّ لما تقدّم ولتوسّط حرف العطف ، وجملة « قلنا » في محلّ خفض بالظرف ، وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم للعظمة ، واللام للتبليغ كنظائرها .

--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية ( 94 ) . ( 2 ) عجز بيت لمحمد بن بشر العدواني وصدره : لعلك والموعود حق لقاؤه * . . . انظر الخصائص لابن جني ( 1 / 368 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 71 ) ، الهمع ( 1 / 247 ) ، الدرر ( 1 / 204 ) ، واللسان ( بدا ) ، وفيه النسبة للشماخ . وانظر الأغاني ( 14 / 151 ) ، التصريح ( 1 / 268 ) .